المسافات بيننا
يقول بعض الحكماء:
يخطئ من يظن أنه يمكن أن يحقق السعادة بقراءة كتاب
أو تطبيق منهج
فالسعادة:
ثمرة أخلاق وليست ثمرة علم
ويسير الشخص في تحليله العلمي والفلسفي
حتى يرتطم بصخرة صماء صلبة ألا وهي (الإنفراديه)
التي عبر عنها بعدم الاندماج وعدم ذوبان
الـ (أنا) في ال (هو) وأن هذا الذوبان محض اختلاق وعدوان
على ذات الغير
وإن ما عبر عنه الناس بـ (الاندماج)
لا يتعدى كونه أكذوبة اجتماعية تكذب نفسها وتكذبها الأحداث
حيث الخصوصية في التكوين الداخلي للشخصية أمر فطري
لأن أي إنسان :
له أسرار وخفايا وخصوصيات
يناضل بكل ما أوتي من قوة وأسلحة في أن تبقى خارج نطاق
نظر الآخرين أوعلمهم ومهما كان موقع هؤلاء الآخرين من القرب
فلإنفراديه:
هي قدر الإنسان فهو يولد فردا ويعيش فردا ويموت فردا
ويبعث فردا
فمن أين جاءت هذه الاندماجية التي زعمها فلاسفة السعادة
وصدقوها وهي محض أكذوبة
ولقد أعجبني قول حكيم:
(لابد من احترام المسافة التي تحفظ لكل فرد مجاله الخاص وكينونته الخاصة كإنسان مستقل له الحق أن يطوي ضلوعه على شيء)
وفي هذا العصر الذي وصل فيه الإنسان ذكرا كان أم أنثى
إلى الاندماج مع الجنس الآخر إلى حد التباهي لاشتراك المصالح
لابد أن يعي أن المسافة بيننا هي لصالحنا
فلقد مثلها بأنها كالمسافة بين المركبات والعربات أثناء السير
إذ إنها تمثل الوقاية الضرورية من الصدمات المهلكة
وما زعمه جهلة الثقافة النفسية من أن السعادة :
هي اندماج سيكولوجي كامل هو في الحقيقة
ارتطام مهلك وقاتل فلا يصح ولا يمكن أن يكون الاثنان واحدا
إلا كما يوقال:
إلا بعملية بتر وتمزيق أعضاء
وتكون النتيجة:
وهذه هي المأساة وليست السعادة
تكون النتيجة ان يرفض الجسم العضو المزروع
كما يحدث في بعض زراعات القلوب ويموت الإنسان
الاندماج :
هو أن يلتهم أحدنا الآخر ويهضمه
والسعادة الحقيقة :
هي المشاركة الوجدانية في غير إلغاء الآخر
هي التعاطف وهي الحياة معا بقاسم مشترك واحد
وأخيرا السعادة هي (أخلاق)
وليست علما ولا ثقافة
منقول
المصدر جريدة اليوم السعودية
مبارك بو بشيت