أ. د / عبد الله بن سلطان السبيعي
هجاس المرض (ويدعى أيضاً: توهم المرض أو قلق الصحة أو رهاب المرض) هو أحد الاضطرابات العصابية التي تندرج تحت ما يسمى بالاضطرابات الجسدية الشكل (Somatoform disorder). وذلك لأن ظاهر أعراض الاضطراب جسدي بينما أصلها نفسي. وأهم ما يميز هجاس المرض هو الاعتقاد بأن هناك علة لم تكتشف في مكان معين من الجسم. ولذلك يقوم المريض بزيارات متكررة للمستشفيات ، والأطباء ، ولكنه لا يجد سبباً لعلته. وهذا ما يبعث في نفسه المزيد من الحيرة والقلق ، ويجعله يتنقل من مستشفى إلى مستشفى ، ومن طبيب إلى طبيب.
• ما هي أعراض هجاس المرض؟
يمكن تشخيص حالات الاكتئاب الشديد بناءً على الأعراض التالية حسب معايير الدليل التشخيصي الإحصائي الرابع للاضطرابات النفسية الذي تصدره جمعية الطب النفسي الأمريكية ((DSM-4، والتي تتلخص فيما يلي:
أ. أفكار مسيطرة ومخاوف من وجود مرض خطير ، نتيجة تفسير خاطئ لعرض أو علامة جسمية.
ب. لا يظهر من الفحوصات الطبية الدقيقة وجود دليلٍ على مرض جسمي يكفي لتفسير مخاوف المريض من وجود المرض ، أو لتفسير الأعراض والعلامات (إن تصادف وجود مرض عضوي). ومع ذلك تستمر المخاوف أو الأفكار التي لا داعي لها رغم الفحوصات الطبية المطمئنة.
ت. لا تصل الاعتقادات إلى مستوى الضلالات (التي تدل على مرض ذهاني) ، حيث قد يدرك المريض أن مخاوفه وأفكاره مبالغ فيها ، أو أنه لا يعاني من المرض الذي يخاف منه البتة. كما أن الأفكار والمخاوف لا ترتكز حول مظهر الجسم أو جزء منه فقط.
ث. تؤدي المخاوف والأفكار حيال الأعراض الجسمانية إلى معاناة نفسية واضحة ، أو خلل في القدرة على أداء الوظائف الاجتماعية أو المهنية أو غيرها من الوظائف الأخرى.
ج. يستمر هذا الاضطراب لمدة لا تقل عن 6 أشهر.
ح. هذه المخاوف والأفكار لا يمكن تفسيرها بشكل أفضل من خلال حالات القلق العام أو الوسواس القهري أو اضطراب الفزع أو الاكتئاب النفسي أو غيره من الاضطرابات النفسية الأخرى.
• ما هي أسباب هجاس المرض؟
ليس هناك أسباب محددة بل هناك عوامل تجعل من هذا شخص أو ذاك أكثر عرضة للاكتئاب من غيره. ومن هذه العوامل:
1. الوراثة: لا يبدو أن للوراثة دوراً مهماً في اضطراب هجاس المرض. ولكن الذي قد يورث هو نمط التفكير والاهتمام المبالغ فيه بالنواحي الصحية.
2. الجنس: ليس هناك فرق بين الرجال والنساء في احتمال الإصابة بهجاس المرض.
3. العمر: يمكن أن يصيب هجاس المرض كافة الشرائح العمرية.
4. طبيعة الشخصية: ليس هناك نمط شخصية محدد له علاقة وثيقة بهجاس المرض ، لكن الشخصية التي يغلب عليها القلق من الأمراض والاهتمام المبالغ فيه بالصحة ، يمكن أن تكون –على الأقل من الناحية النظرية- أكثر عرضة للإصابة من غيرها.
5. العوامل الاجتماعية: المعنى الذي يعطيه الشخص للأعراض يختلف بحسب الثقافة والمستوى الاجتماعي ، لذلك ينبغي أن لا تقيم حالة المريض بمعزل عن بيئته الاجتماعية والثقافية.
6. الخبرات الشخصية: قد يزيد القيام بمسئوليات دور الكبار في سن مبكرة ، وعدم تلبية حاجات الطفولة من احتمال الإصابة بهجاس المرض.
7. الضغوط النفسية: قد تكون الضغوط النفسية مثل الوفاة والطلاق وغيرها ، سبباً في انخفاض عتبة التحمل ، والشعور بالأعراض التي تكون مدار هجاس المرض.
• ما مدى انتشار هجاس المرض؟
تقدر نسبة انتشار هجاس المرض بحوالي 1%-5% بين أفراد المجتمع عموماً وقد تصل إلى 10% بين مراجعي عيادات الرعاية الأولية.
• هل هناك اضطرابات أخرى تشبه هجاس المرض؟
نعم. فأول ما نبغي القيام به هو التأكد من عدم وجود مرض عضوي حقيقي لدى المريض. كما أن هناك عدد من الاضطرابات النفسية التي قد تشبه هجاس المرض منها:
1. الاكتئاب النفسي: الذي قد تظهر فيه شكاوى جسمانية ، ولكن المحور الأساسي في تشخيصه هو وجود انخفاض المزاج وأعراض الاكتئاب الأخرى مثل عدم القدرة على الاستمتاع واليأس وخلافه.
2. القلق النفسي: وتظهر فيه أعراض جسمية كثيرة لكن الشعور بالخوف هو الأصل في وجود هذه الأعراض وليس العكس كما في حالة هجاس المرض.
3. الجسدنة: وهو وجود أعراض جسمية كثيرة تجتاح عدد من أجهزة الجسم. لكن المريض لا يخاف منها ولا ينشغل بتفسيرها والتفكير في خطورة مصدرها.
4. الاضطرابات الذهانية مثل الفصام والاكتئاب الذهاني وغيرها من الاضطرابات التي قد يحدث فيها ضلالات جسدية.
5. الوسواس القهري: وفيه يكون المريض مدركاً لعدم صحة مخاوفه ، أو يكون الانشغال بالأعراض لا علاقة له بالخوف من مرض خطير (كأن ينشغل لعدم قدرته على التحكم في البول لأنه ينقض طهارته).
• كيف لي أن أعرف عن كنت مصاباً بهجاس المرض؟
يجسد هجاس المرض العلاقة التبادلية بين النفس والجسم ، حيث قد تؤدي الحالة النفسية لأعراض جسمية ، فيما قد تؤدي الحالة الجسمية للمعاناة النفسية كالشعور بالضيق والخوف وغيره.
يمكنك إجراء اختبار –مقياس هجاس المرض- ( وسيوضع على الموقع قريباً إن شاء الله ) ، وهو لا يغني عن تقييم الطبيب إن لزم الأمر ، ولكنه قد يفيدك في تقدير معاناتك إن وجدت.
• كيف يمكن علاج هجاس المرض؟
على العكس من كثير من الاضطرابات النفسية ، فإن علاج هجاس المرض الأساسي ، لا يعتمد على الدواء بقدر ما يعتمد على إتاحة الفرصة للمريض من خلال جلسات العلاج النفسي المعرفي ، للوصول إلى القناعة بعدم وجود مرض جسمي خطير ، ومساعدته للتعايش مع أعراضه بأقل قدر ممكن من المخاوف. ومن مهمات الطبيب النفسي الصعبة في مثل هذه الحالات ، حماية المريض من نفسه ، ومن رغبته -المدفوعة بالخوف من المرض- في إخضاع نفسه للمزيد من الفحوص. ليس لأن هذه الفحوصات مكلفة مادياً وغير مبررة ، ولكن لأنها يمكن أن تكون هي الأخرى مولداً للمزيد من المعاناة ، والشكوى ، والمخاوف.
العلاج بالعقاقير يكون عادة موجهاً للأعراض المصاحبة مثل الاكتئاب والقلق وما شابهها.
• ما الذي يمكن أن يحدث لو لم يتم علاج هجاس المرض؟
هجاس المرض من الاضطرابات المزمنة التي تبدأ في سن مبكرة ، وتمر مثل البراكين ، بفترات من الركود والثوران. مما يدعو للتفاؤل بالشفاء أن تبدأ الحالة بشكل حاد ، وأن يكون هناك مرض عضوي مصاحب ها. ومما يقلل من احتمالات الشفاء أن توجد اضطرابات نفسية أخرى ، وأن يكون هناك مكاسب نفسية من استمرار الهجاس ، مثل الرعاية والعطف والاهتمام الذي لا يتأتى إلى بوجود المعاناة والشكوى.
• كيف يمكنني أن أساعد نفسي إذا كنت أعاني من هجاس المرض؟
أولاً: بالمعرفة والقراءة ما أمكن عن هذا الاضطراب.
ثانياً: إذا كنت خائفاً لدرجةٍ لا يمكنك معها العمل ، أو القيام بمهامك المختلفة ، فأنت بحاجة لمشورة طبيبة متخصصة.
ثالثاً: إذا استبعدت وجود مرض عضوي ، فيمكنك القيام بالتالي:
1. اختر طبيباً تثق في دينه ، وأمانته ، وشاوره في حالتك ، ثم لا تذهب لغيره إلا بمشورته.
2. لا تطلب من الطبيب أن يخضعك لفحوصات بعينها ، بل اترك له الخيار ليفعل ما يريد ، ما دمت تثق به.
3. ليس بالإمكان معرفة سبب كثيرٍ من الأعراض والأحاسيس الجسمية. وهذا الجهل لا يعني أن حالتك مستعصية ، أو غريبة ، أو أن الطب عجز عن اكتشافها. كل ما هنالك أنك لا تعاني ولله الحمد من مرض ظاهر. وهذا في حد ذاته دليلٌ على صحتك لا على مرضك.
4. تجنب أن تكرس حياتك للمرض. لا تقرأ عنه ، ولا تبحث في الانترنت ، ولا تتابع الصحف والبرامج الطبية ، وما شابه ذلك من السلوكيات القهرية.
5. أشغل نفسك بما هو مفيد من العمل والاختلاط ونفْع نفسك ونفْع الناس ، لأن ذلك يشتت انتباهك عن التفكير الدائم في مخاوفك غير المبررة.
6. تعلم كيف تسيطر على الإجهاد النفسي بالراحة والاسترخاء والرياضة البسيطة والغذاء المتوازن.
7. قم برصد الأعراض التي تشعر بها بشكل يومي ، وسجل الأحداث السابقة لها ، فقد يساعدك ذلك في الربط بين الأعراض وبعض العوامل الخارجية.
• كيف أساعد قريباً لي يعاني من هجاس المرض؟
أولاً: بالمعرفة والقراءة ما أمكن عن هذا الاضطراب
ثانياً: إذا كان خفاً لدرجةٍ لا يمكنه عها العمل ، أو القيام بمهامه الختلفة ، أو ربما عرض نفسه لفحوصات طبية لا داعي لها فهو بحاجة لاستشارة طبية متخصصة.
ثالثاً: إذا استبعدت وجود مرض عضوي ، فيمكنك القيام بالتالي:
1) ساعده ليحقق التوازن الفطري في علاقته بربه وذلك بالتقرب إلى الله بالطاعات والبعد عن المعاصي ، وعدم الجزع واليأس من الشفاء. فعن أنس رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً: "إن عظم الجزاء من عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط".
2) ساعده في التوازن في علاقته مع الآخرين بعدم الانطواء ، وصلة الأرحام ، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ له في أثره ، فليصل رحمه.
3) وجّهُّ لمراجعة نفسه وعلاقته مع ربه وإصلاح ما انقطع منها فكما يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا توبة".
4) تصدق عنه وعلمه الصدقة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: "داووا مرضاكم بالصدقة".
5) ساعده ليرى الجانب المضيء من المعاناة ، فقد قال رسول الله صلى الله علي وسلم فيما يرويه الرسول عن ربه: "إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل ، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها.