شروق محمد..
المرأة الجسد..المرأة المقهورة..المرأة الثائرة
هي صورة المرأة الشائعة والمتناثرة عبر أجهزة الإعلام بوسائطه المختلفة ، وإذا كانت صناعة الإعلام الحديث صناعة غربية الأصل فقد كانت الصورة المقدمة عبر هذه الوسائل والوسائط المتعددة هي صورة ذات مكونات وأصباغ غربية الصنع..
تلك المرأة التي هي خصيم الرجل على الدوام والتي تبحث عن ذاتها المفقودة خارج إطار أنوثتها وطبيعتها وحقيقة دورها في المجتمع ، تلك المرأة التي إن خضعت أصبحت مقهورة ، وإن أطاعت فهي مملوكة ، وإن أحبت فهي ضعيفة الإرادة مسلوبة العقل..هي دائما طرف في حلبة الصراع فإما أن تعتلي عرش المنتصر أو تنكفئ بائسة في جحر المنهزم..
وقد تناولت هذه الصورة العديد من الدراسات التي حللت معالم هذه الصورة لتحصرها في عدد من الأنماط منها صورة المرأة الجسد والتي نتناولها بالتحليل في هذا المقال..
المرأة الجسد:
ليست هي تلك الأنثى التي تعتز بأنوثتها ، وتوظف طاقاتها وقدراتها فيما خلقت له ، ولكنها ذلك النموذج الصارخ للأنوثة السافرة التي تستخدم كسلعة تجارية لتستفز غرائز المشاهد وتستنفر رغباته لهثاً وراء تلك السلعة المادية التي اقترنت بصورتها في ذهنه..ذلك النموذج الذي يجسد الجمال الأنثوي بالمفاهيم الاستهلاكية الحديثة والذي هو جزء من صناعة كبرى هي صناعة الجسد..
لقد أكدت العديد من الدراسات أن القائمين على صناعة الإعلام يقومون بييع الصورة الذهنية للمرأة الجسد مقترنة بالسلعة المعروضة مما يمتهن صورة المرأة ويجعلها في مرتبة موازية للسلعة المباعة.
وقد أظهرت دراسة حديثة أجريت في هذا المجال أن المرأة الجسد تظهر كشخصية رئيسية في 60%من الإعلانات ، بينما استغلت كوسيلة إغراء جنسي في 15%، وكامرأة مستهلكة لأدوات التجميل والفوط الصحية في 40%، وظهرت في45% من الإعلانات بشكل سلبي تمامًا، ولم تظهر كمثقفة سوى في 30%، بينما اللغة التي تستخدمها كانت العامية في 85% من الإعلانات .
هذا وإذا كانت هذه الدراسة قد أجريت على صورة المرأة كأداة إعلانية ، فإن صورة المرأة الجسد كانت هي الأكثر رواجاً في مواد إعلامية أخرى كالدراما التلفزيونية وأغاني الفيديو كليب والبرامج الترفيهية المتنوعة..
وأصبح الجمال الأنثوي المنفصل عن وظيفة المرأة الحقيقية كزوجة وأم وحاضنة ومصدر للرعاية والحنان ..أصبح هذا الجمال الأنثوي محوراً في صناعة كبرى هي صناعة الجسد ، وسلعة استهلاكية تستخدم لترويج سلع أخرى..والرابح الأكبر من هذه الصناعة هم أصحاب الشركات متعددة الجنسيات اللذين لا يعنيهم إلا الربح والربح فقط..
أما الخاسر الأكبر فهو المجتمع بقيمه ونظمه ومعتقداته ، المجتمع الذي يجني العديد من الأمراض والمشكلات الاجتماعية كأثر مباشر لرواج مثل هذه المفاهيم ، ومن هذه الآثار السلبية ارتفاع معدل الإحباط وعدم الرضا لدى الفتيات نتيجة المقارنة بين أجسادهن وأشكالهن وما يرينه على الشاشة ، وكذلك ارتفاع متوسط الإنفاق على إجراءات إنقاص الوزن وعمليات التجميل لدى الكثير من السيدات مقارنة مع متوسط الإنفاق من أجل الغرض ذاته في عقود سابقة ، هذا بالإضافة إلى ارتفاع معدلات الطلاق التي تنتج عن المقارنة التي يحدثها الأزواج بين تلك الصورة الشائعة للمرأة في وسائل الإعلام وبين صورة الزوجة والأم في المنزل..
أضف إلى ذلك ما تساهم به هذه الصورة من إشاعة الرذيلة والانحراف خاصة بين أوساط الشباب ، سواء منهم الفتيات اللواتي يتمثلن هذه الصورة كنموذج يحتذى أو الشباب الذي تجذبه مثل هذه المشاهد إلى مستنقعات الشهوات والغرائز المشتعلة..
وعلى الرغم من أن صورة المرأة الجسد هي صورة غربية النشأة والتطور ، إلا أن بعض القوى الاجتماعية والثقافية في البلدان الغربية بدأت تتحرك في الآونة الأخيرة لمناهضة تلك الصورة واستغلال المرأة كسلعة تجارية ؛ ففي الترويج نجحت الجمعيات النسائية المناهضة لتوظيف جسد المرأة لأغراض دعائية في وقف حملة إعلان لملابس داخلية نسائية بإقناع الحكومة بأن تلك الإعلانات تشكل خطرا علي سائقي السيارات, وقد تؤدي إلي حوادث مميتة, وفي فرنسا خصصت جمعية( النساء الصحفيات) جائزة سنوية للإعلان الأقل إثارة, أما جمعية( كليات الحراسة) فوضعت من بين أهدافها حماية المرأة من الابتزاز معلنة أن جسد المرأة ليس سلعة.
فإذا كانت بعض المنظمات والمؤسسات والقوى الاجتماعية الواعية في البلدان الأوروبية بدأت تتحرك في الاتجاه المضاد لاستغلال المرأة وامتهانها بهذه الصورة السافرة في الإعلام ..فمتى يتحرك العقلاء في مجتمعاتنا العربية الإسلامية في وجه هذا الاتجاه..